
بعناية كُتب... وفي التطبيق نُسي
تتميّز الشركات العائلية غالبًا بدرجة عالية من التماسك والانسجام الداخلي؛ إذ تخلق الثقة الشخصية والقرب من صنّاع القرار والعادات الراسخة بيئة من الحوكمة التي تتيح سرعة اتخاذ القرار واستمرارية التطلع نحو المزيد من التقارب. ولفترة من الزمن، يحلّ هذا التقارب محلّ الهيكل.
لكن… إلى متى يمكن للانسجام القائم على التقارب أن يستمر؟
مع دخول الأجيال الجديدة إلى الشركة، يتلاشى التقارب، وتتباعد العلاقات، وتبدأ الأعراف الراسخة بالتشوّش: تتشتّت الملكية عبر فروع العائلة، تنشأ توقعات متعلقة بتوزيعات الأرباح والسيولة، وتزداد وجهات النظر المتباينة حول مشاركة أفراد العائلة في الإدارة.
في ظلّ هذه الظروف، يفقد الرابط العائلي المثالي قابليته للتفسير، وتتراجع شرعيته المؤسسية بشكل متزايد كآلية وحيدة للتنسيق.
وفي مواجهة هذا التعقيد المتنامي، تتّجه العائلات بدافع الرغبة في الحفاظ على العائلة نحو توثيق مبادئها وضوابطها في “دستور عائلي”. والدافع وراء ذلك صادق: صون الوحدة، وحفظ الإرث، وحماية الاستمرارية. والنية أصيلة وحسنة. غير أنه في مكان ما على امتداد هذه الرحلة، من الصياغة إلى الاحتفال، يبدأ الحماس الأولي بالتلاشي.
وهكذا، فإن ما صُمِّم ليكون دافعاً نحو الاستمرارية يتحوّل أحيانًا إلى واحدةٍ من «أكثر الوثائق تكلفةً… التي نادرًا ما يتّبعها أحد»
١. دستور العائلة
أ. الوظائف الجوهرية للدستور
يهدف دستور العائلة إلى إضفاء الطابع الرسمي على المبادئ والقواعد والإجراءات التي تحدّد نقطة التفاعل بين العائلة والمنشأة. ولا تكمن قيمته في التوسّع الإجرائي أو تكديس الطبقات البيروقراطية، بل في إرساء أساس متّسق وشفاف لاتخاذ القرار في ظل تزايد التعقيد المؤسسي وارتفاع تكلفة عدم الانسجام بين أفرد العائلة.
والدستور ليس بديلًا عن أدوات الملكية القانونية؛ فهو يُضفي الطابع الرسمي على الرغبة في تفعيل الحوكمة والالتزامات السلوكية، في حين تتولّى اتفاقيات المساهمين والوثائق القانونية ذات الصلة تأمين حقوق الملكية وتنظيم انتقال الأسهم. وفي المنشآت التي تطبق الحوكمة بشكل جيد، يعمل الاثنان بالتوازي.
وفي جوهره، يستبدل الدستور الافتراضات الضمنية بالتزامات صريحة، لا سيّما في المجالات التي تصبح عرضة للخلل مع تطوّر العائلة والشركة: توقعات الملكية، واختيار القيادة، ومشاركة أفراد العائلة، وسلطة اتخاذ القرار، والتعاقب الوظيفي.
وهو يُرسِّخ بُعدين مترابطين:
- الهوية: الغرض، والقيم، والتوجّه طويل الأمد، وأولويات الاستمرارية.
- آليات الحوكمة: المنتديات، وسياسات المشاركة، وتوقعات المساهمين، ومسارات فضّ النزاعات.
وعندما يُصمَّم الدستور بشكل سليم، فإنه يربط المبدأ بالممارسة، ويحوّل النيّة المشتركة إلى سلوك مُهيكل.
ب. سؤال المليون دولار…
لماذا تموت الدساتير العائلية… بعد يوم واحد فقط من توقيعها؟
قد تتبنّى العائلات مواثيق وتُنشئ مجالس، ومع ذلك تستمر في مواجهة نزاعات متكررة. لماذا؟ لأن الهياكل التي تفتقر إلى الانضباط في التطبيق، والتنفيذ في ظل إطار من المصداقية، والروتين التشغيلي القابل للتكرار، لا تُشكِّل السلوك الذي ينبغي اتباعه.
ولا تخلق الدساتير العائلية قيمةً إلا حين تُعامَل كمنظومة تشغيل متكاملة، لا كمبادرة تُنفَّذ لمرة واحدة. فهي لا تحيا بالإنفاذ وحده، بل يجب أن تحيا من خلال الفهم المشترك؛ إذ تعتمد استدامة الحوكمة في الأنظمة العائلة بدرجة أقل على المراقبة، وبدرجة أكبر على السرد والتكرار والحضور المستمر للأهمية.
ويتّضح الفارق بين الحوكمة المُصاغة رسميًا والحوكمة المُفعَّلة عمليًا بشكل خاص في تخطيط التعاقب:
- 30% فقط من الشركات العائلية تنتقل إلى الجيل الثاني
- 16% تقريبًا تستمر إلى الجيل الثالث
وتبقى مخاطر التعاقب وانتقال السلطة من أبرز نقاط الضعف المؤثرة في استمرارية الشركات العائلية.
«هذه هي فجوة التطبيق: فالدستور موجود كوثيقة، لكنه لا يعمل كمنظومة تشغيل»
وبعد أن حظينا بامتياز دعم العديد من كبرى الشركات العائلية المصرية في صياغة دساتيرها، برز طلبٌ متكرر: أن تعكس الصياغة روح التوجيه والاحتواء بدلًا من الإنفاذ أو المراقبة. ويعكس ذلك حقيقةً مهمة، مفادها أن الحوكمة يجب أن تُعمم داخليا كي تستمر.
ويتطلّب الأمر مراجعةً وتعديلًا دوريّين مع تطوّر العائلة والشركة ودخول الأجيال الجديدة إلى الشركة. كما يتطلّب روتينًا مُترسِّخًا يُفعِّل الإطار: منتديات منتظمة، وقرارات موثّقة، وتواصلًا شفافًا، ومساءلةً واضحة عن التنفيذ. وبدون هذه الآليات، قد يبقى الدستور جيّد الصياغة، لكنه غير فعّال تشغيليًا.
ويجب أن يكون دستور العائلة ذا معنى للأجيال القادمة، بحيث يُقدّم قيمةً شخصية ومهنية واضحة. كما يجب أن تظلّ المنتديات العائلية جذّابة بما يكفي كي يُعتنق الالتزام بها كجزء من الهوية، لا كفرض والتزام.
