
كيف تعيد نماذج التطوير العقاري في المملكة العربية السعودية تموضعها في ظل التطورات التنظيمية؟
إذا كانت التنظيمات الجديدة تعيد ترتيب اقتصاديات الأرض والتمويل والاستخدام، فإن أثرها لا يقع بالتساوي على جميع المطورين. فالسوق السعودي يضم شركات تعتمد بدرجات مختلفة على ملكية الأراضي، والبيع على الخارطة، والإيرادات الإيجارية، وتطوير الوجهات واسعة النطاق، والشراكات مع ملاك الأراضي والصناديق والمطورين الرئيسيين. وقد تجمع الشركة الواحدة بين أكثر من نموذج بحسب طبيعة محفظتها والمشروع الذي تنفذه. ويظهر هذا التنوع بوضوح في نماذج الأعمال المعلنة من الشركات وفي هيكل منظومة البيع على الخارطة نفسها.
كما أن قاعدة المطورين نفسها متنوعة. ففي عام 2025، أصدرت الهيئة العامة للعقار أكثر من 100 رخصة لمشروعات البيع على الخارطة في مختلف مناطق المملكة وأهلت أكثر من 400 مطور عقاري، نتج عنها ترخيص أكثر من 70 ألف وحدة شملت مشروعات سكنية وصناعية وتجارية وخدمية وسياحية. كما شهد الربع الثالث من عام 2025 وحده زيادة سنوية بلغت 236.1% في عدد الرخص و362% في عدد الوحدات. ويعكس هذا التسارع توسع منظومة التطوير وقاعدة المشروعات وارتفاع عدد المطورين القادرين على المشاركة في طرح مشروعات جديدة.
مؤشرات نمو وتوسع منظومة البيع على الخارطة (الهيئة العامة للعقار):
| المؤشر التشغيلي / التنظيمي | الرقم المسجل / نسبة النمو |
|---|---|
| رخص مشروعات البيع على الخارطة الصادرة (2025) | أكثر من 100 رخصة |
| المطورون العقاريون المؤهلون | أكثر من 400 مطور عقاري |
| إجمالي الوحدات المرخصة بمختلف الأنشطة | أكثر من 70,000 وحدة |
| النمو السنوي في عدد الرخص (الربع الثالث 2025) | 236.1% |
| النمو السنوي في عدد الوحدات المرخصة (الربع الثالث 2025) | 362% |
ومن خلال هذه الاختلافات، تبرز ستة نماذج تشغيلية تساعد على فهم كيفية تغير الأولويات تحت البيئة التنظيمية الجديدة. ولا تتعلق الفروق بالحجم وحده، بل بمصدر العائد، وملكية الأرض، وطريقة تمويل المشروع، والقدرات التي يمتلكها المطور داخلياً، ومدى استمراره في إدارة الأصل بعد اكتماله.
1. نماذج ترتكز على ملكية الأصول
1.1 المطور صاحب محفظة الأراضي الاستراتيجية
يستمد هذا النموذج جانباً مهماً من قيمته من امتلاك أراض في مواقع استراتيجية والاحتفاظ بها للتطوير في مراحل لاحقة. ويمكن أن يوفر ذلك مرونة في اختيار توقيت المشروع والاستفادة من توسع المدن وارتفاع قيمة المواقع، إلا أن الرسوم الجديدة تجعل المدة التي تبقى فيها الأرض دون تطوير أكثر تأثيراً في العائد الكلي للمحفظة.
وتوضح شركة دار الأركان للتطوير العقاري هذا الأثر التنظيمي؛ فقد أفصحت عن وجود نحو 2.65 مليون متر مربع من أراضيها في شمال الرياض داخل نطاق يخضع لرسم بنسبة 5%، إضافة إلى نحو 181 ألف متر مربع ضمن نطاق الـ 10%. وأوضحت الشركة أنها ستجري تحليلاً تفصيلياً للمحفظة وتسعى إلى استكمال تطوير الأراضي في أقرب فرصة ممكنة.
ومن ثم، لا تتمثل الأولوية في التطوير الفوري، بل في رفع جودة القرار بشأن كل قطعة. فالأرض التي تتمتع بطلب واضح وجاهزية تخطيطية وبنية تحتية مناسبة قد تستحق تسريع التطوير، بينما يمكن أن يكون إدخال شريك أو بيع أصل غير رئيسي أكثر جدوى في مواقع أخرى. ويتحول بذلك حجم مخزون الأراضي من ميزة مستقلة إلى عنصر يجب إدارته وفق الجدوى، والتوقيت، ومدى أثر الرسوم.
ويزداد هذا التحدي لدى الشركات التي تمتلك محافظ كبيرة لكنها لا تمتلك بالضرورة القدرة على تطوير جميع المواقع بالتوازي. ففي هذه الحالة، تصبح القدرة على ترتيب أولويات الأراضي، وإدارة مراحل التطوير، واختيار الشركاء، وتخصيص رأس المال أهم من مجرد توسيع المحفظة. ويتيح النظام نفسه اتفاقيات بين مالك الأرض والمطور، وبين المطور الرئيسي والمطور الفرعي، ما يوفر بدائل عملية لتفعيل الأصول.
2.1 مالك الأصول المدرة للدخل
يقوم نموذج آخر على الاحتفاظ بالأصول المكتملة وتحقيق عوائد دورية من الإيجارات بدلاً من بيعها بعد التطوير. وفي هذا النموذج، تتحدد قيمة الأصل بدرجة كبيرة من خلال الإشغال، واستقرار التدفقات الإيجارية، وجودة إدارة العقار والمحافظة على قدرته التنافسية بمرور الوقت.
وتقدم شركة بنان العقارية مثالاً على أهمية الإيراد الإيجاري في هذا النوع من المحافظ؛ ففي عام 2025، ارتفعت إيرادات التأجير لدى الشركة والشركات التابعة بمقدار 5.6 ملايين ريال، وبنسبة 9% عن العام السابق، لتصل إلى نحو 73.85 مليون ريال، في وقت لم تسجل فيه الشركة مبيعات أراض مثل تلك التي سجلتها في 2024.
وتضيف رسوم العقارات الشاغرة بعداً جديداً لإدارة هذا النوع من الأصول؛ فالأصل المحتفظ به لا يكفي أن يكون مكتمل البناء وذو قيمة سوقية مرتفعة، بل يجب أن يحافظ على مستوى فعلي من الإشغال. وقد تؤثر الفترات الانتقالية بين المستأجرين مؤقتاً على إيرادات التأجير: إذ أفادت شركة بنان بأن استبدال المستأجرين في عدد من العقارات أدى إلى انخفاض إيرادات التأجير خلال الربع الثاني من عام 2025.
ولهذا تزداد أهمية إدارة التأجير، والمحافظة على المستأجرين، وتجديد الأصول عند الحاجة، وتعديل مزيج المساحات أو استخداماتها إذا تغير الطلب. وبالنسبة إلى مالك الأصل المدر للدخل، تتحول إدارة العقار من وظيفة تشغيلية لاحقة إلى جزء أساسي من استراتيجية الحفاظ على قيمته وعائده.
2. نماذج ترتكز على التوسع والتنفيذ
1.2 المطور المعتمد على البيع على الخارطة للتوسع
يعتمد هذا النموذج على إطلاق مشروعات بصورة متكررة وبيع جزء من الوحدات قبل اكتمالها، ما يوفر مؤشراً مبكراً على الطلب ويسهم في تمويل أعمال التطوير. لكن التوسع في المبيعات لا يعني توافر السيولة نفسها على مستوى الشركة؛ فلكل مشروع حساب ضمان مستقل، وتخضع عمليات الصرف لضوابط مرتبطة بالمشروع ونسب الإنجاز والتقارير المالية والهندسية. وكلما زاد عدد المشروعات المتزامنة، زاد عدد الحسابات والمقاولين والاستشاريين والمواعيد التعاقدية التي يجب إدارتها في الوقت نفسه.
وتصبح إدارة وتيرة إطلاق المشروعات أحد أهم عناصر نجاح هذا النموذج؛ فالتصميمات القابلة للتكرار، والمشتريات المنظمة، والمقاولون الموثوقون، والتنبؤ الدقيق بتكلفة الاستكمال تساعد على تحقيق الكفاءة التشغيلية، لكن التوسع الذي يسبق قدرة الشركة على التمويل والتنفيذ يمكن أن يحول قوة المبيعات إلى ضغط على السيولة والتسليم.
كما تزداد أهمية هذه القدرات في ظل العقوبات المرتبطة بالتعثر؛ فعدم مباشرة الأعمال خلال ستة أشهر دون عذر مقبول، أو تكرار التأخير، أو الإخلال بجودة التنفيذ، قد يؤدي إلى شطب المطور من سجل المطورين. لذلك، تصبح أنظمة ضبط المشروع وآليات الإنذار المبكر ذات أهمية لهذا النموذج، بما يضمن تكرار التسليم بالجودة والوقت المستهدفين عبر عدد متزايد من المشروعات.
2.2 المطور الرئيسي للوجهات العمرانية
وفي نموذج مختلف داخل السوق، يعمل بعض المطورين على مستوى وجهات عمرانية متكاملة وليس على مستوى مشروع منفرد. ويشمل ذلك إعداد المخطط العام، وتطوير البنية التحتية، وتحديد معايير الوجهة، وجذب المطورين والمستثمرين، والتنسيق بين المكونات السكنية والتجارية والخدمية.
وتوضح الشركة الوطنية للإسكان (NHC) حجم هذا النموذج؛ ففي عام 2025، أعلنت إطلاق أكثر من 134 ألف وحدة سكنية بقيمة تتجاوز 100 مليار ريال، ضمن 25 وجهة عمرانية في 17 مدينة. كما تجاوز عدد الوحدات المبيعة 134 ألف وحدة، فيما سكنت أكثر من 60 ألف أسرة في وجهاتها المختلفة.
وفي وجهة «الفرسان» بالرياض، وقعت NHC اتفاقية تطوير شامل مع شركة دار وإعمار للاستثمار والتطوير العقاري لتنفيذ أكثر من 2,800 وحدة سكنية بقيمة استثمارية تبلغ 3.3 مليارات ريال. ويأتي المشروع ضمن وجهة تمتد على أكثر من 35 مليون متر مربع، ومخطط لها أن تضم أكثر من 50 ألف وحدة سكنية تستوعب ما يزيد على 250 ألف نسمة. ويوضح هذا النموذج كيف يمكن للمطور الرئيس أن يوفر الأرض والمخطط والبيئة العمرانية الأوسع، بينما يتولى مطور آخر تنفيذ مشروع محدد داخل الوجهة.
ونجاح هذا النموذج يتمثل في نموذج التطوير المتكامل (Core Development Function) والذي يعد جوهر الهيكل الوظيفي للمطور الرئيسي. وهذا النموذج يعتمد على كفاءة الترابط بين التصميم والتنفيذ والبيع كوظائف رئيسية للمطور، وبالتالي يعتمد على كفاءة التخطيط للمخططات الرئيسية للمشاريع واختيار الشراكات المناسبة لهذه المخططات، وبالتالي التزام المطورين المشاركين بالجداول الزمنية، وملاءمة وتيرة طرح الوحدات مع الطلب، وتطور الخدمات والمرافق بالتوازي مع نمو السكان. وبذلك يصبح دور المطور الرئيس أقرب إلى إدارة منظومة تطوير متكاملة من كونه منفذاً مباشراً لكل مكون فيها.
3. نماذج ترتكز على الشراكات والتخصص
1.3 المطور القائم على الشراكات
لا يحتاج المطور إلى امتلاك الأرض في جميع مشروعاته حتى يحقق النمو. فقد أصبح من الممكن التوسع عبر مجموعة متنوعة من هياكل التطوير، مثل الشراكات مع ملاك الأراضي والمطورين الرئيسيين، واتفاقيات تعهد بالشراء، والشراكات مع الصناديق العقارية والمشروعات المشتركة. وتكمن ميزته في قدرته على توظيف خبراته التطويرية في مشروعات تملكها أو تمولها أطراف أخرى.
وتقدم شركة رتال للتطوير العمراني مثالاً واضحاً على هذا التنوع؛ إذ يجمع نموذج أعمالها بين مشروعاتها الخاصة، ومشروعات بالشراكة مع الشركة الوطنية للإسكان، ومشروعات مع مجموعة روشن، واتفاقيات الشراء المسبق، وشراكات مع صناديق عقارية. وأفادت الشركة بأن محفظتها تضم 37 مشروعاً بين مكتمل وجار ومستقبلي في عدد من المدن الرئيسية بالمملكة.
وتختلف ملكية الأرض وهيكل التمويل ومصدر الإيرادات من نموذج إلى آخر:
- في مشروعات رتال مع NHC تكون الأرض ملكهم وتتولى رتال التصميم والإنشاء والتسويق والبيع.
- في اتفاقيات التعهد بالشراء تكون الأرض مملوكة للمتعهد وترتبط المدفوعات بنسب الإنجاز.
- تعتمد الشراكات مع الصناديق العقارية على امتلاك شركة المشروع للأرض مقابل حصول رتال على عمولات مرتبطة بالتطوير والتسويق والمبيعات.
ويمنح هذا التنوع للمطور إمكانية النمو من خلال خبرته في التنفيذ وليس من خلال ميزانيته العقارية وحدها، كما يمكن أن يقلل الحاجة إلى ضخ رأس مال كبير في شراء الأراضي، ويوزع المخاطر بين عدد أكبر من الأطراف. وفي المقابل، تصبح جودة العقود وحوكمة العلاقة مع الشركاء وآليات السداد وتوزيع المسؤوليات عوامل حاسمة في أداء المشروع.
2.3 المطور المتخصص الناشئ والمطور الفرعي
تفتح الوجهات الكبيرة أيضاً مساحة أمام مطورين أصغر أو أكثر تخصصاً للدخول إلى مشروعات واسعة النطاق من دون الحاجة إلى تطوير الموقع بالكامل بأنفسهم. وقد تأتي ميزتهم من الخبرة في شريحة سكنية معينة أو منتج محدد أو سوق محلية بعينها، بينما يوفر المطور الرئيس البيئة العمرانية والبنية التحتية والإطار العام للمشروع.
وتوضح مجموعة روشن هذا المسار في مجتمع «العروس» بجدة؛ ففي 2025، وقعت المجموعة أربع اتفاقيات لبيع أراض بإجمالي 448 مليون ريال ومساحة تبلغ نحو 87 ألف متر مربع مع شركات «مسكان» و«الديار العربية» و«أبياتنا» و«ساطعة التعمير». وستعمل الشركات كمطورين فرعيين لمشروعات سكنية داخل مجتمع «العروس»، الذي يمتد على أربعة ملايين متر مربع ومن المتوقع أن يضم 18 ألف وحدة سكنية عند اكتماله.
ويمنح هذا النموذج للمطور الفرعي موقعاً داخل وجهة مخططة، إلى جانب بنية تحتية ومعايير تطوير واضحة، من دون الحاجة إلى بناء منصة تطوير واسعة من الصفر. وفي المقابل، يبقى عليه تنفيذ مشروعه وفق متطلبات الوجهة والجداول الزمنية والجودة المتفق عليها. وبذلك يمكن أن تصبح التخصصية وجودة التنفيذ أساساً للتنافس، بدلاً من حجم الأرض أو الميزانية وحدهما.
ولذلك، يرجح أن يكون هذا النموذج قائماً على التركيز أكثر من محاولة التوسع السريع. فالتخصص في نوع منتج أو منطقة محددة، والحد من عدد المشروعات المتزامنة، والاستعانة بمكاتب استشارية ومحاسبية متخصصة عند الحاجة، يمكن أن يسمح للمطور الأصغر بالعمل وفق المستوى التنظيمي المطلوب من دون بناء هيكل مؤسسي يفوق حجم أعماله. وستعتمد قدرته التنافسية على وضوح نطاق المشروع، وإدارة المقاولين، والالتزام بالتسليم أكثر من اعتمادها على حجم الأراضي التي يملكها.
الخاتمة
وبغض النظر عن نموذج عمل المطور العقاري أو حجمه، أصبحت الكفاءة التشغيلية والتطور التنظيمي متطلبات أساسية لضمان القدرة على خلق القيمة واستدامة النمو. فاختلاف نماذج التطوير والتمويل وملكية الأراضي لا يلغي الحاجة إلى مؤسسية واضحة، وهياكل تنظيمية فعالة، وعمليات متكاملة، وحوكمة قوية، وقدرة تنفيذية تتناسب مع طموحات النمو.
وعليه، فإن الميزة التنافسية لن تعتمد فقط على حجم محفظة الأراضي أو رأس المال المتاح، وإنما على قدرة المطور على تحويل موارده إلى قيمة من خلال نموذج تشغيلي فعّال، واتخاذ قرارات سريعة ومدروسة، وإدارة الأطراف الداخلية والخارجية بكفاءة، والمواءمة بين استراتيجية النمو والقدرة الفعلية على التنفيذ.
وبالتالي، يمثل التطور التنظيمي والكفاءة التشغيلية ركيزتين مشتركتين لجميع نماذج المطورين، وليستا خياراً مرتبطاً بحجم الشركة أو نموذج أعمالها، بل شرطاً أساسياً لتعزيز المرونة، وتحسين استخدام الموارد، ورفع جودة التنفيذ، وتحقيق النمو المستدام.
